السيد كمال الحيدري

101

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

الإمام جعفر الصادق عليه السلام . وقوله عليه السلام : ( ونحن نعلمه ) ، للتدليل على الجنبة التطبيقية لأصل النظرية والدعوى ، فنبأ الوجود بأزمنته الثلاثة دعوى عظيمة قد يعسر تصديقها أو القبول بها ، لذلك قال عليه السلام : ( نحن نعلمه ) ، ليُشير إلى إمكان تحصيل أخباره وعلومه الأزمانية ، فهم يعلمونه ولا ينحصر ذلك بهم ، بمعنى إمكان تعلّمه منهم . والمراد بالبعُد الأنفسي هو حدود دائرة كلّ الإنسان ، وأما الآفاق فما يخرج عن حدود دائرة كلّ إنسان ، فلكلّ إنسان بُعد أنفسي يُشكِّل مضمونه الداخلي ، وبعد آفاقي يُشكِّل مُحيطه الخارجي ، وبالتالي ما يستبطنه أنفسياً له انعكاسات آفاقية خارجية ، وما يُحيط بظاهره له انعكاسات أنفسية داخلية ، وفي ضوء ذلك فللنصّ القرآني تأثير أو وجود أنفسي يتلاءم ويتفاعل مع الحركة الكمالية للإنسان ، ووجود آفاقي ينسجم مع الإنسان بصفته عالَماً أصغر . والآن ينبغي توضيح الفكرة من خلال مثال قرآني ، وهو قوله تعالى : . . . وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً ( النساء : 100 ) ، فالهجرة لها بُعدان ، أنفسي يُسمَّى بالسير والسلوك الكمالي ، ولنُطلق عليها اسم الحركة المعنوية ؛ وبعد آفاقي وهو الحركة الخارجية ، ولنُطلق عليها اسم الحركة الحسِّية ؛ وبالتالي فإنَّ القرآن هنا يُوجِّه الإنسان إلى حركتين متوازنتين ، معنوية وحسِّية ، فالبيت المعنوي هو القلب ، والبيت الحسِّي هو ما يسكنه ؛ والمسكن بمقتضى الفطرة السليمة لا بدَّ أن يكون نظيفاً طاهراً رحباً . وهنا تبدأ الرحلة والهجرة ، فمن تحرَّك وهاجر حسّياً من محلّ سكناه إلى أمر فيه طاعة الله ، من قبيل حجّ بيته الحرام أو الجهاد في سبيله ، ولم يبلغ مبتغاه الحسِّي فله أجر ما قصده ؛ وأما من هاجر قلبه الذي فيه الهوى والأنا والرغبات ، أو قلْ فيه الغيرية ، متوجّهاً إلى الله تعالى ، بنيّة إلغاء الأنا